السيد محمد تقي المدرسي
481
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
ونستفيد من الآية ؛ إنه ينبغي أن يواسى الحزين بما يذهب عنه الحزن . وقد واسى جبرئيل ( على قول ) مريم وأخبرها أن نهر ماء جار قد أحدث من جانبها ، أو أخبرها بأنه سيكون لوليدها شأن كبير . وهكذا عليها أن تتحمل الحزن من أجله . وكلمة ( سريا ) تعني النهر ، كما هو الانسان الشريف . وقال البعض أن عيسى هو الذي تحدث مع أمه وسلّاها بأن عندها يوجد نهر قد أحدث الآن لحاجتها إلى الاغتسال ، والله العالم . 2 / استبشروا بنداء الجهاد ، وتقدموا إلى رسول الله صلى لله عليه وآله ابتغاء القتال تحت لواءه ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله أخبرهم بأن الشقة بعيدة وبحاجة إلى ما يحملهم عليه ، وهو لا يملك ما يوصلهم إلى ساحة القتال . فحزنوا لذلك ( ونفى الكتاب الحرج عنهم ) ، إذ قال سبحانه : ( وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ ) ( التوبة / 92 ) فاضت أعينهم بكاءً على عدم امتلاكهم ما ينفقون في سبيل الله . وهكذا يحزن المؤمن على الآخرة أكثر مما يحزن على دنياه ؛ يحزن إذا لم يوفق لصالح العمل ، ويحزن لو ابتلي بذنب . فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام ، قال : أوصى الله إلى عيسى بن مريم عليه السلام : يا عيسى هب لي من عينيك الدموع ، ومن قلبك الخشوع ، واكحل عينك بميل الحزن إذا ضحك البطّالون . « 1 » ولعله من ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله : إن الله يحب كل قلب حزين . « 2 » 3 / وفي صورة معاكسة تماماً كان حزن آل فرعون ، الذين التقطوا النبي موسى عليه السلام وهو رضيع من البحر ؛ كان حزنهم وندمهم بعدئذ شديداً ، لأنهم ربّوا في أحضانهم عدوهم الذي أزال الله به ملكهم ، وكانوا خاطئين ( لأن ملكهم كان يزول به أو بغيره ، وسواءً التقطوه من البحر أم لا ، بل كان التقاطهم بذاته تقديراً حكيماً من لدن رب العزة ليعلموا أنهم خاطئون ) . قال الله سبحانه : ( فَالْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ) ( القصص / 8 ) وبقي حزن آل فرعون إلى أن أغرقهم الله سبحانه في اليم وأدخلهم النار ، لأنهم كفروا بالله ورسله .
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 69 ، ص 71 ، ح 2 . ( 2 ) راجع المصدر في الهامش .